ابن العربي
583
أحكام القرآن
فإن قيل : فقد توضّأ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم مرة مرة ، وقال : هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به . وتوضأ مرتين مرتين ، وقال : من توضأ مرتين مرتين آتاه اللّه أجره مرتين . ثم توضأ ثلاثا ثلاثا ، وقال : هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ، ووضوء أبى إبراهيم . وهذا يدلّ على أنها أعداد متفاوتة زائدة على الإسباغ ، يتعلّق الأجر بها مضاعفا على حسب مراتبها . قلنا : هذه الأحاديث لم تصحّ ، وقد ألقيت إليكم وصيّتي في كل وقت « 1 » ومجلس ألّا تشتغلوا من الأحاديث بما لا يصحّ سنده ، فكيف ينبنى مثل هذا الأصل على أخبار ليس لها أصل ؛ على أن له تأويلا صحيحا ، وهو أنه توضّأ مرة مرة وقال : هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به ؛ فإنه أقل ما يلزم ، وهو الإيعاب على ظاهر هذه الأحاديث بحالها . ثم توضأ بغرفتين وقال : له أجره مرتين في كل تكلف غرفة ثواب . وتوضأ ثلاثا وقال : هذا وضوئي ؛ معناه الذي فعلته رفقا بأمتى وسنّة لهم ؛ ولذلك يكره أن يزاد على ثلاث ؛ لأن الغرفة الأولى تسنّ العضو للماء وتذهب عنه شعث التصرف . والثانية ترحض وضر « 2 » العضو ، وتدحض وهجه . والثالثة تنظّفه ، فإن قصرت دربة أحد عن هذا كان بدويا جافيا فيعلّم الرفق حتى يتعلّم ، ويشرع له سبيل الطهارة حتى ينهض إليها ، ويتقدم ، ولهذا قال من قال : فمن زاد على الثلاث فقد أساء وظلم « 3 » . المسألة التاسعة والأربعون - لما ذكر اللّه سبحانه غسل الوجه مطلقا ، وتمضمض النبىّ صلى اللّه عليه وسلم فبيّن وجه النظافة فتعيّن في ذلك ما قدمنا بيانه ، ثم لازم النبىّ صلى اللّه عليه وسلم السّواك فعلا ، وندب إليه أمرا ، حتى قال في الحديث الصحيح : لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كلّ وضوء . و ثبت عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه إذا قام من الليل يشوص « 4 » فاه بالسّواك ، وما غفل عنه قطّ ؛ بل كان يتعاهده ليلا ونهارا ، فهو مندوب إليه ، ومن سنن الوضوء ، لا من فضائله ، وقد بينّاه في شرح الحديث الصحيح .
--> ( 1 ) في ا : ورقة . ( 2 ) ترحض : تغسل ، والوضر : وسخ الدسم واللبن ( النهاية ) . ( 3 ) في سنن الترمذي ( 1 - 64 ) : قال ابن المبارك : لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم . ( 4 ) يشوص : يدلك أسنانه وينقيها وينظفها . وقيل : هو أن يستاك من سفل إلى علو . وأصل الشوص الغسل ( النهاية ) .